حسن الأمين

34

مستدركات أعيان الشيعة

الدولة . وقد كان الغلب لصاحب الجيش قطب الدين ، فألزم الخليفة المستضيء بأمر الله بعزل الوزير فعزله ولم تمكنه مخالفته ، واستنيب في الوزارة أبو الفضل يحيى بن عبد الله بن جعفر صاحب المخزن ، والمخزن أيامئذ ديوان تجهيزات الدولة جميعها ، وفي سنة 569 هأحس قطب الدين بان الخليفة المستضيء يريد إعادة عضد الدين إلى الوزارة فحاصر دار الخلافة ، وأجبر الخليفة إلى ترك ما أراده ، ولم يقنع بذلك بل أراد إخراج عضد الدين من بغداد ، ثم اجتزأ من ذلك ( بما يسمى اليوم ( فرض الإقامة الجبرية عليه مدة ) . وقد شهد الناصر لدين الله وهو أمير جميع [ هده ] هذه الهزاهز والاضطرابات والائتمارات ، وكانت تبدو منه امارات الشهامة ، وعلامة الشجاعة والغيرة والتيقظ والتأثر الشديد بما يجرى على الخلافة وما يقاسي أبوه من تحكم رجال الدولة وسوء تصرفهم في شؤونها وادارتها ، وكأنه لما سمع بمحاصرة قطب الدين قايماز مقدم الجيوش لدار الخلافة رقي قبة عالية من قصر التاج وهو أحد قصور دار الخلافة الفخمة فسقط منها إلى أرض القصر ولكنه سلم ونجا . وكان معه مملوك له اسمه « نجاح » . فلما هوى الأمير أسقط المملوك نفسه معه فقيل له : لم ألقيت نفسك ؟ فقال : ما كنت أريد البقاء بعد مولاي . فرعى له الأمير ذلك . ولما تولى الخلافة جعله شرابيا لنفسه ، ولقبه بالملك الرحيم عز الدين وقدمه على الأمراء جميعهم . وتقدم عند الخليفة المستضيء رجل اسمه ظهير الدين منصور بن نصر الحراني المعروف بابن العطار ، فرتبه صاحب المخزن . وهذه الوظيفة من أعلى الوظائف في الدولة العباسية في أواخر عصورها ، فحصلت نفرة بينه وبين قطب الدين قايماز مقدم الجيوش . وكان ظهير الدين رجلا متعصبا لمذهبه تعصبا أعمى ، لكنه مقرب من الخليفة المستضيء جدا وله منه رعاية بالغة ، فأرسل قطب الدين يستدعي ابن العطار ليحضر عنده فهرب والتجأ إلى دار الخلافة ، فأحرق قطب الدين داره ، وكان ذلك سنة « 570 ه‍ » وحالف أغلب الأمراء في الجيش ، وطلب منهم المساعدة والمظاهرة له وجمعهم وقصد دار الخلافة بالجانب الشرقي من بغداد ، لعلمه أن ابن العطار ملتجئ إليها . فلما علم الخليفة المستضيء بذلك ، ورأى الغلبة صعد إلى سطح قصر من قصور دار الخلافة وظهر للعامة - وكان نادر الظهور لهم - وأمر خادما من خدمه أن يصيح ويستغيث ويقول للعامة : « مال قطب الدين لكم ، ودمه لي » يحضهم على نهب أمواله دون التعرض له بما يؤدي إلى قتله ، فقصدت جموع الناس وخصوصا الرعاع والغوغاء والعيارين دار قطب الدين لنهب ما فيها ، وأيد الخليفة يومئذ مملوك « حبشي » من مماليك جده المقتفي اسمه عماد الدين صندل ( 1 ) ، وكان أستاذ دار الخلافة إذ ذاك . وهو الرسول الذي حمل خلع الخليفة لنور الدين وصلاح الدين لما قرضا الدولة الفاطمية بمصر ، فسار في جماعة من الجند وأحرق دار قطب الدين بقوارير النفط الطيار التي تقابل اليوم القنابر ( 2 ) المحرقة ، فاضطر قطب الدين إلى الهرب من بغداد ، وقصد إلى الموصل فتوفي قبل بلوغه إياها ، ونجا ظهير الدين بن العطار من عدوه وكذلك عضد الدين محمد بن المسلمة ، فاستدعاه الخليفة المستضيء - أعني عضد الدين - وولاه الوزارة ثانية ، وبقي ظهير الدين في رتبته ( صاحب المخزن ) وزاد نفوذ كلمة الأمراء الأحباش كعماد الدين صندل المذكور وقرينه مجاهد الدين خالص وهو الذي رآه ابن جبير الأندلسي الرحالة في دخوله بغداد سنة 580 هفقال : « ورونق هذا الملك انما هو على الفتيان والأحابيش المجابيب » منهم فتى اسمه ( خالص ) وهو قائد للعسكرية كلها ، أبصرناه خارجا أحد الأيام وبين يديه وخلفه أمراء الأجناد من الأتراك والديلم وسواهم ، وحوله نحو خمسين سيفا مسلولة في أيدي رجال قد احتفوا به فشاهدنا من أمره عجبا في الدهر ، وله القصور والمناظر على دجلة « ولم نعرف السبب في عجب ابن جبير فقد أجبر الخليفة المقتفي على شراء المماليك الأحباش . واستتبت أحوال الخلافة العباسية بعد هذه الاضطرابات والاشتباكات بعض الاستتباب . ثم ظهر استبداد ظهير الدين بن العطار بالتدريج واستؤنفت المنازعات بين أرباب الدولة ففي سنة 571 ه‍ ، قبض على عماد الدين صندل أستاذ الدار وولي مكانه أبو الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله المعروف بابن الصاحب ، وهو من أبناء أسرة خدمت الدولة العباسية منذ ابتداء نهضتها على عهد الخليفة المسترشد بالله ، واستؤنف تعدى أمراء الأطراف على العراق بشبهة استمرار الدولة العباسية على عدم الاعتراف بالدولة السلجوقية وترك الخطبة لسلطانها ببغداد والعراق ، وأرسلوا جماعة ففتكوا بالوزير عضد الدين بن المسلمة وهو بالجانب الغربي من بغداد وقد عزم على سلوك طريق الحج ، وكان ذلك في رابع ذي القعدة من سنة 573 هوتم استبداد ظهير الدين بن العطار بأمور الخلافة ، وظهرت الفتن المذهبية ببغداد ، وثار العوام على الحكام الطغام ، وحدث غلاء ووباء ، ثم عقب ذلك وفاة الخليفة المستضيء بأمر الله في ثاني ذي القعدة من سنة 575 ه‍ . خلف المستضيء بأمر الله من الأبناء اثنين أحدهما أبو العباس أحمد الذي مر ذكره غير مرة ، وأبو منصور هاشم ، وكان أحمد هو الأكبر وأرادت جماعة من رجال الدولة صرف

--> ( 1 ) له قبر بزاويته بالجانب الغربي من بغداد لا يزال معروفا ، وقد اتخذت زاويته مسجدا ونسبت اليه المحلة المجاورة لقبره وتعرف اليوم بمحلة الشيخ صندل . ( 2 ) هو الاسم الصحيح لما يسمى بالقنابل التي هي تصحيف .